ابن الجوزي
242
القصاص والمذكرين
زدني ! رحمك اللّه . فقلت : يا شيخ ! اللّه عالم بسريرتك ، مطلع على حقيقتك ، شاهدك في خلوتك ، بعينه كنت عند استتارك من خلقه ومبارزته . فصاح صيحة كصيحته « 1 » الأولى . ثم قال : من لفقري ؟ من لفاقتي ؟ من لذنبي ؟ من لخطيئتي ؟ أنت لي يا مولاي ! وإليك منقلبي . ثمّ خرّ ميّتا - رحمه اللّه . قال أبو عامر : فأسقط في يدي وقلت : ماذا جنيت « 2 » على نفسي ؟ فخرجت إلى جارية عليها مدرعة من صوف ، وخمار من صوف ، قد ذهب السجود بجبهتها وأنفها ، واصفرّ لطول القيام لونها ، وتورّمت قدماها . فقالت : أحسنت ، واللّه يا حادي قلوب العارفين ، ومثير أشجان عليل المحزونين ، لا نسي لك هذا المقام ربّ العالمين . يا أبا عامر ! هذا الشيخ والدي مبتلى بالسقم منذ عشرين سنة . صلّى حتّى أقعد وبكى حتّى عمي . وكان يتمنّاك على اللّه - تعالى - ويقول : حضرت مجلس أبي « 3 » عامر النباتيّ . فأحيا موات قلبي ، وطرد وسن نومي ، وإن سمعته ثانيا قتلني . فجزاك اللّه من واعظ خيرا ومتّعك من حكمتك بما أعطاك . ثم أكبّت على أبيها ، تقبّل عينيه وهي تبكي وتقول : يا أبي ! يا أبتاه ! يا من أعماه البكاء على ذنبه ! يا أبي ! يا أبتاه ! يا من قتله ذكر وعيد ربّه ! ثمّ علا البكاء والنحيب والاستغفار والدعاء . وجعلت تقول : يا أبي ! يا أبتاه ! ( يا ) « 4 » حليف الحرقة والبكاء ! يا أبي يا
--> ( 1 ) في الأصل : كصيحة . والتصويب من « صفة الصفوة » . ( 2 ) في الأصل : جئيت ، والتصويب من « صفة الصفوة » . ( 3 ) في الأصل : أبا . والتصويب من « صفة الصفوة » . ( 4 ) كلمة ( يا ) زيادة ليست في الأصل ، واستدركتها من « صفة الصفوة » 2 / 196 .